السيد الطباطبائي
181
تفسير الميزان
وكذا قوله : ( هذا أكبر ) الخبر فيه من صيغ التفضيل وحكم صيغة التفضيل إذا وقعت خبرا أن يجاء بأفعل ويستوى فيه المذكر والمؤنث يقال زيد أفضل من عمر وليلى أجمل من سلمى ، وما هذا شأنه لا نسلم أنه من صيغ المذكر الذي يجرى فيه الاتباع . ومنهم من قال : إن تذكير الإشارة إنما هو لتعظيم الشمس حيث نسب إليها الربوبية صونا للاله عن وصمة التأنث . وفيه : أنهم كانوا يعدون الأنوثية من النواقص التي يجب أن ينزه عنها الاله وقد كان لأهل بابل أنفسهم آلهة أنثى كالإلهة ( نينو ) إلهة الأمهات الخالفة ، والإلهة ( نين كاراشا ) ابنة الإله ( آنو ) والإلهة ( مالكات ) زوجة الإله ( شاماش ) والإلهة ( زاربانيت ) إلهة الرضاع ، والإلهة ( آنوناكي ) . وكانت طائفة من مشركي العرب تعبد الملائكة وتعدهم بنات الله ، وقد رووا في تفسير قوله تعالى : ( إن يدعون من دونه إلا إناثا ) ( النساء : 117 ) أنهم كانوا يسمون آلهتهم إناثا ، وكانوا يقولون : أنثى بنى فلان يعنون به الصنم الذي يعبدونه . ومنهم من قال : إن قوم إبراهيم عليه السلام كانوا يعدون الشمس من الذكور وقد أثبتوا لها زوجة يسمونها ( انونيت ) فاحتفظ في الكلام على ظاهر عقيدتهم . وفيه : أن اعتقادهم بكون الشمس ذكرا لا يصحح تبديل تأنيث لفظها تذكيرا . على أن قوله عليه السلام للملك : ( فأت بها من المغرب ) ( البقرة : 258 ) وهو يريد الشمس ينافي ذلك . ومنهم من قال : إن إبراهيم عليه السلام كان يتكلم باللغة السريانية وهى لغة قومه ، ولا يفرق فيها في الضمائر وأسماء الإشارة بالتذكير والتأنيث بل الجميع على صفة التذكير ، وقد احتفظ القرآن الكريم في حكاية قوله على ما أتى به من التذكير . وفيه : منع جواز ذلك فإنه أمر راجع إلى أحكام الألفاظ المختلفة باختلاف اللغات بل إنما يجوز ذلك فيما يرجع إلى المعنى الذي لا يؤثر في الخصوصية اللفظية ، على أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام احتجاجات كثيرة وأدعية وافرة في القرآن وفيها موارد كثيرة اعتبر فيها التأنيث فما بال هذا المورد اختص من بينها بإلغاء جهة التأنيث ؟ حتى أن قوله فيما يحاج به ملك بابل : ( إذ قال إبراهيم ربى الذي يحيى ويميت قال أنا